Présentation

Calendrier

Décembre 2008
L M M J V S D
1 2 3 4 5 6 7
8 9 10 11 12 13 14
15 16 17 18 19 20 21
22 23 24 25 26 27 28
29 30 31        
<< < > >>

Newsletter

Inscription à la newsletter

Syndication

  • Feed RDF 1.0
  • Feed ATOM 0.3
  • Feed RSS 2.0
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10    
Mardi 28 Octobre 2008

السـؤال:

هل بعد إلقاء السلام على الحاضرين يبتدئ المسلِّم في المصافحة بالأيمن أم بالأكبر؟

 

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فظاهر النصوص الحديثية الواردة في باب الآداب تدلُّ على أنَّ وصف السِّنِّ مُعتبَرٌ في التقديم في وجوه الإكرام والآداب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُقَدِّمَ الأَكَابِرَ»(١- أخرجه أبو بكر الشافعي في «الفوائد»: (9/97/1)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في «مسنده»: (6191)، والبيهقي في«السنن الكبرى»: (173)، بلفظ: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ». والحديث صحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (4/74).)، أي: أمرني عن الله تعالى بأن أُقدِّم الأكبر في السِّنِّ، وهو على الحقيقة، أمَّا الكُبر المعنوي كالكبير في العلم فهو على المجاز، والحقيقة مُقدَّمة على المجاز، ويدلُّ عليه حديث القسامة في أنَّ عبد الرحمن بن سهل ذهب ليتكلَّم قبل صاحبيه وكان أصغر القوم، فقال له رسول الله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «كَبِّرْ»(٢- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الجزية والموادعة، باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال: (3002)، ومسلم في «صحيحه» كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات، باب القسامة: (4342)، من حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله عنه.)، يريد الكُبْرَ في السِّنِ(٣- قال النووي في «شرح مسلم» (11/146): «وقوله: الكُبْر في السن، معناه: يريد الكبر في السن، والكبر منصوب بإضمار يريد ونحوها». ٤- أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره: (50)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث حسَّنه ابن حجر في «فتح الباري»: (1/357)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (4/76). )، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلاَنِ فَأُوحِيَ إِلَيْهِ: أَنْ كَبِّرْ: أَعْطِ السِّوَاكَ الأَكْبَرَ»(٤- أخرجه أبو داود في «سننه» كتاب الطهارة، باب في الرجل يستاك بسواك غيره: (50)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث حسَّنه ابن حجر في «فتح الباري»: (1/357)، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (4/76).).

فإذا ثبت منصوصًا تقديم ذي السِّنِّ في الكلام والسِّواك فيَطَّرِدُ ذلك في جميع وجوه الإكرام، بما في ذلك المصافحة إلاَّ ما استثناه الدليلُ، كإمامة الصلاة فإنه يُقدَّم فيها أقرؤُهم لكتاب الله، لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ الله، فَإِنْ كَانُوا في القِرَاءَةِ سَوَاء فَأَعْلَمَهُمْ بِالسُنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا في السُنَّةِ سَوَاء، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا في الهِجْرَةِ سَوَاء، فَأَكْبَرُهُمْ سِنًّا»(٥- أخرجه مسلم «صحيحه» كتاب المساجد، باب من أحق بالإمامة: (1532)، وأبو داود «سننه» كتاب الصلاة، باب من أحق بالإمامة: (582)، والترمذي في «سننه» كتاب الصلاة، باب ما جاء من أحق بالإمامة: (235)، من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.)، وفي أدب الإسقاء يبتدئ الساقي باليمين، ولو لم يكن بكبير القوم لقوله صَلَّى الله عليه وآله وسلم: «الأَيْمَنُ فَالأَيْمَنُ»(٦- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب المساقاة والشرب، باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته: (2225)، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما على يمين المبتدئ: (5282)، من حديث أنس رضي الله عنه.)، وفي رواية: «الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلاَ فَيَمِّنُوا»(٧- أخرجه البخاري في «صحيحه» كتاب الهبة وفضلها، باب من استسقى: (2432)، ومسلم في «صحيحه» كتاب الأشربة، باب استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما على يمين المبتدئ: (5291)، إلاَّ أنه ذكر في الثالثة أيضَّا «الأيمنون»، كلاهما من حديث أنس رضي الله عنه.).

قال المناوي -رحمه الله- في معرض شرح حديث: «أَمَرَنِي جِبْرِيلُ أَنْ أُكَبِّرَ»: «وفيه أنَّ السِّنَّ من الأوصاف التي يُقدم بها، فيستدل به في أبواب كثيرة من الفقه سيما في مورد النص وهو الإرفاق بالسواك ثمَّ يطرد في جميع وجوه الإكرام، كركوب وأكلٍ وشربٍ وانتعالٍ وطيبٍ ومحلّه ما إذا لم يعارض فضيلة السِّن أرجح منها، وإلاَّ قُدِّم الأرجح كإمامة الصلاة والإمامة العُظمى وولاية النكاح وإعطاء الأيمن في الشرب، ولا منافاة بين ذلك والحديث؛ لأنه لم يدل على أنَّ السِّنَّ يُقدم به على كُلِّ شيء بل إنه شيء يحصل به التقديم»(٨- «فيض القدير» للمناوي: (2/193).).

قلت: ويُقدَّم عموم تقديم الأكابر لكثرة أفراده في حسن المعاملة والإكرام، ولا ينافي العمل بعموم اليمين في مورد النصِّ، وفي المصافحة إذا تقارب المسلَّم عليهم في السِّن، أو لم يظهر له الكبير في المجلس، أو كان الكبير عن يمينه، ونحو ذلك.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

publié par yacine dans: www.adolph
Mardi 09 Septembre 2008

 الزلابية وغيرها من الطيبات

 

بين الأصل العام والحكم التفصيلي

 

 

السـؤال:

 

لقد نشرت إحدى الصُّحفِ الجزائريةِ الأسبوعيةِ عنكم القولَ بتحريم أكْلِ حَلْوى «الزلابية» التي تنتشِرُ بكثْرَةٍ في شَهر رَمَضَانَ المباركِ، وكذا إباحتكم للرشوة والتعريض، فنريدُ مِنْكُم شيخَنَا بَيَانًا شَافِيًا عَنْ مَدَى صِحَةِ مَا نُشِرَ عنكم؟ وهل يُعَدُّ تَنَاوُلُ الزلابية من بِدَعِ رمضَانَ؟ وهل من نصيحةٍ تقدِّمونها لمن ينقل فتاويكم، وجزاكم اللهُ خيرًا.

 

الجـواب:

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

 

فاعلم أنَّ «الزلابية» كغيرهَا من الحلْوى مَعْدُودَةٌ من الطيِّبَات يَتَغَذَّى بها الجسْم كسائرِ الأطعمةِ التي يكونُ لها أثرٌ طيِّبٌ على قِوامِ بدنِ الإنسانِ، والأَصْلُ فِيهَا الحلُّ، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقولِهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]، واللهُ تعالى أباحَ لعبادِه المؤمنين الطيِّباتِ لينتفعُوا بها، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4]، وقال صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «الحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ وَالحرَامُ مَا حَرَّمَ الله فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»(١- أخرجه الترمذي في «سننه» كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس الفراء: (1726)، وابن ماجه في «سننه» كتاب الأطعمة، باب أكل الجبن والسمن: (3367)، والحاكم في «المستدرك»: (7115)، والبيهقي في «السنن الكبرى»: (19873)، من حديث سلمان رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع»: (3195))، والحكْمُ بإباحَتِها كأَصْلٍ عامٍّ لا يجوز تَحْرِيمُه بحالٍ إلاَّ إذا فَصَّل الله لنا ما حرَّم، فما كان حرامًا أو مكروهًا فلا بُدَّ أَنْ يكُونَ تَحْريمهُ مُفَصَّلاً على وجْهِ الاستِثْنَاءِ من الأَصْلِ العامِّ، لقَوْله تعَالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، ويعُود التفصيلُ إلى جُمْلةِ حالاتٍ وعِللٍ تقترنُ بالحلِّ فتُصيِّره مَنْهِيًا عنْه مُحرَّما أوْ مكْروهًا بحسَبِ الحالَةِ، ومِن هذِه العِلَلِ والحالاتِ: المَضَرَّةُ والإسْرَافُ، والاسْتِعَانَةُ بِه على المعصيةِ، والتَشْريعُ. وليْسَ الحكْمُ المفصَّلُ خَاصًّا ﺑ «الزلابية»، وإنما هو عامٌّ لكلِّ طعامٍ طاهرٍ طَيِّبٍ، وَعليه:

 

§    فكلُّ طَعَامٍ طاهرٍ لا مضرَّةَ فيه، فهو مباحٌ، فإنْ أحْدَثَ ضَرَرًا عنْد تَنَاوُلِهِ فيُمْنَعُ شرْعًا وَطِبًّا، لِعلَّةِ الضررِ، لِوجوبِ المحافظةِ على الأبدانِ في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]، ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ولقوله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»(٢-  أخرجه ابن ماجه في «سننه» كتاب الأحكام: (2430)، وأحمد في «مسنده»: (23462)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «إرواء الغليل»: (896))، ومن عمُومِ هذِه النصوصِ قُعِّدتْ جُمْلةٌ من القواعدِ الفقهيةِ منها: أنَّ «التَحْرِيم يَتْبَعُ الخَبَثَ وَالضَرَرَ».

 

§    كلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مَضَرَّةَ فيه مُباحٌ مَا لم يَصِل إلى حدِّ الإسرافِ والتبذيرِ فَيُمنعُ لهذه العلةِ ويشهدُ لذلك قولُه تعالى: ﴿وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]، ولقولِه تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27].

 

§    وكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مَضَرَّةَ فيه ولا إسرافَ ولا تبْذيرَ مُباحٌ بشرطِ أنْ يُسْتعانَ بِهِ على الطاعةِ، ويحْرمُ إِن اسْتُعينَ به على مَعْصِيةٍ، كمن يتغذَّى باللحمِ والخبزِ والتمرِ أو الحلْوَى ليستعِينَ بها على شُربِ الخمْرِ، وإتْيانِ الفواحشِ، أو يتغذَّى ليَقْوَى على مُحَارَبَةِ دَعْوَة التوحيدِ التي جَاءَ بها النبيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ صَافيةً بالتشويهِ والتَضلِيلِ والصدِّ عنْ سبيلِ الله، أو يَسْتعِينُ بها على الاعتداءِ على دماءِ المسلمينَ وأمْوالهم وأعراضِهم، فَإنَّ هذهِ الطيِّباتِ يُسْأَلُ عنْها؛ لأنَّه لم يُؤَدِّ شُكْرَها، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 93]، ولقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8]، أي: عن الشكرِ عليْهِ.

 

§    وكلُّ طعامٍ طاهرٍ لا مَضرةَ فيه ولا إسرافَ ويُستعانُ به على الطاعةِ، فلا يجوز أن يُخصَّص أيُّ مَطْعُومٍ بالعبادةِ استدراكًا على صاحبِ الشريعةِ بعدَ مَا أَتمَّها اللهُ بنبيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآله وَسَلَّمَ، وأكملَهَا قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فدَلَّتِ الآيةُ على كمالِ الشريعةِ واستغْنَائهَا عنْ زيادةِ المبتدعين، واسْتدراكاتِ المستدركين، وقد أَتَمَّ الله هذَا الدِّينَ فلا يُنْقِصُهُ أبدًا، ورضِيَهُ فلا يَسْخَطُهُ أبدًا، وقد جاء عن النبيِّ صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قولُه: «وَأَيْمُ اللهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ الْبَيْضَاءِ، لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(٣- أخرجه ابن ماجه في «المقدمة» باب اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (5)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة»: (688)، وفي «صحيح الجامع»: (9))، وقد بيَّن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم هذا الدِّينَ أتمَّ البيانِ، وقامَ بواجبِ التبليغِ خيرَ قيامٍ، ممتَثلاً لقول ربِّه: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]، وقد شهدت له أُمَّتُه بِإبلاغِ الرسالةِ وأداءِ الأمانةِ، واسْتنطَقَهُمْ بذلكَ في أعظمِ المحافلِ في خُطبتِهِ يوْمَ حجَّةِ الوداعِ.

 

وعليْه، فمنْ أوْجبَ طعامًا في موْضِعِ عبادةٍ أو اسْتَحَبَّه ولم يرِدْ في الكتاب والسُّنَّة ذِكْرُه فقد شَرَّعَ أمْرًا ما أنزلَ الله به من سلطانٍ، ومثلُ هذا التشريعِ محرَّمٌ بنصِّ قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: 21]، فالحكمُ الشرعيُّ إنما يُؤخذُ من الشرعِ، إذِ الحكم لله وحدَهُ، ولا يجوزُ إثباتُ حكمٍ شرعيٍّ بغير الأدلة الشرعية التي جعلها اللهُ طريقًا لمعرفةِ أحكامه، وهذا أصلٌ عظيمٌ من أصول هذا الدين(٤- انظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم: (1/50-51)، و«أضواء البيان» للشنقيطي: (7/162-173))، وعليه فإنَّ القولَ على الله بغير علمٍ محرمٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116]، ومنه يُفْهمُ أنَّ اعتقادَ الصَّائِم أنَّ صِيامَهُ لا يَكْمُلُ أو لاَ يُجْزِئُ إلاَّ بأمورٍ يُشَرِّعُهَا لنفْسِهِ، سواء كانت «الزلابية» أو غيرَها أو يعتقِدُ أنَّ عقيقَتَهُ لا تَصحُّ و لا تَكْمُل إلاَّ ﺑ «الطمينة» أو غيرِها فيحتاجُ هذا التشريعُ إلى دليلٍ من صاحبِ الشريعةِ، وإلاَّ كان بدعةً إضافيةً أصلُها شرعيٌّ ونوعُ إيرادِها باطلٌ، واعتقادُ العبادةِ فيها بدعةٌ، وهذا جريًا على قاعدة: «كُلُّ مَا أُضِيفَ إلى حُكْمٍ شرعِيٍّ يحتَاجُ إلى دَليلٍ».

 

وهذا القولُ لم أنْفرد به بل كُتُبُ المالكيةِ طافحةٌ بذلكَ، وعلى سبيلِ المثال: ذَكَرَ ابْنُ الحَاج المالكي في «المدخل» بدعةَ اليومِ السابعِ عن الميِّت قَالَ: «عمل الزلابية أو شراؤها وشراءُ ما تُؤْكَلُ به في اليومِ السابعِ»(٥- «المدخل» لابن الحاج: (3/292))، وقال في معرِضِ ذِكْرِ بعض بدع الخروج بالجنازة: «حملُ الخبز والخرفان أمام الجنازة وذَبحُها بعْد الدفنِ وتفريقُهَا مع الخبزِ»(٦- «المدخل» لابن الحاج: (3/366-367))، وذَكَرَ علي محفوظ في «الإبداع» عن الطيبات المقرونة بالتشريع على وجه البدعة، قال: «ذبْحُ الجامُوسِ عنْد وُصُول الجنازةِ إلى المقبرة قبل دفنِها وتفريقُ اللحمِ على مَنْ حَضَرَ»(٧- «الإبداع» للشيخ محفوظ: (114))، وذَكَرَ «الخِرْفَان تُذْبَحُ عند خروج الجنازة تحت عَتَبَةِ البابِ»(٨- المصدر السابق).

 

هذه بعض الصورِ من البدع الإضافيةِ، ولم يقُلْ أَحَدٌ أنَّ ذَبْح الخرفانِ محرَّمٌ ولا الجاموس ولا حملُ الخبز ولا أكلُ «الزلابية» ولا شراؤها أو شراءُ ما تُؤكلُ به؛ لأنَّ أصْلَها طيِّب صحيحٌ، لكن لما وردَت في أحوالٍ أو أيامٍ أو أماكنَ مخصوصةٍ على وجهِ العبادةِ والتشريعِ، مُنعَتْ مِنْ أجلِ هذا الاعتقادِ الفاسدِ الذي فيه اتهامٌ للشرعِ بالنقصانِ، وللنبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم بعدمِ تبليغهِ للرسالةِ التي كُلِّف بها، ولا شكَّ أنَّ صَاحب هذا الاعتقادِ يتقرَّب إلى الله بالمشروع وهو الصيامُ أو العقيقةُ، ويتقرَّب أيضًا بغيرِ المشروعِ؛ لأنَّ الشرعَ لم يجعل العبادةَ في هذينِ المطعومينِ من الحلوى، والواجبُ كما يكونُ العملُ مشروعًا باعتبار ذاتهِ يجب أن يكونَ مشروعًا باعتبار كيفيتهِ، لقوله صَلَّى اللهُ عليه وآله وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٩-  أخرجه مسلم في «صحيحه» كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور: (4493)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وقد اتفق الشيخان على إخراجه بلفظ «من أحدث من أمرنا ما ليس منه فهو رد»)، والمعتقِدُ فيهمَا قد خلَط عملاً صالحًا وآخر سيِّئًا، وهو يعتقِدُ أنَّ الكلَّ صالح، وقد أوضَح الإمامُ أبُو إسحاقَ الشاطبي المالكي -رحمه الله- في كتابه «الاعتصام» أقوى إيضاح في الباب الخامس: «في أحكام البدع الحقيقية والإضافية والفرق بينهما»(١٠- انظر: «الاعتصام» للشاطبي: (1/286)).

 

فالحاصل، أ 

publié par yacine dans: www.adolph
Dimanche 24 Février 2008

 

publié par yacine dans: www.adolph
Samedi 26 Janvier 2008

السؤال: شيخنا الفاضل إنّي أستاذ في قطاع التربية وفي الأيام المقبلة سيدخل عماله في إضراب من أجل مطالب موضوعية، فما حكم الشرع في الإضراب؟  

 

 

 

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمّا بعد:

 

فالإضرابات بمختلف أنواعها من أساليب النظم الديمقراطية التي يمارس فيها الشعب مظاهر سيادته المطلقة، وتعد الإضرابات في عرف الديمقراطيين على الأوضاع القيمة ظاهرة صحة، يصحح بها الوضع السياسي أو الاجتماعي أو المهني من السيئ إلى الحسن، أو من الحسن إلى الأحسن، أما المنظور الشرعي للنظم الديمقراطية بمختلف أساليبها فهي معدودة من أحد صور الشرك في التشريع، حيث تقوم هذه النظم بإلغاء سيادة الخالق سبحانه وحقه في التشريع المطلق لتجعله من حقوق المخلوقين، وهذا المنهج سارت عليه العلمانية الحديثة في فصل الدين عن الدولة والحياة، والتي نقلت مصدرية الأحكام والتشريعات إلى الأمة بلا سلطان عليها ولا رقابة والله المستعان.

 

وهذا بخلاف سلطة الأمة في الإسلام فإن السيادة فيها للشرع، وليس للأمة أن تشرع شيئًا من الدين لم يأذن به الله تعالى، قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

 

وعليه، فإن الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات وسائر أساليب الديمقراطية هي من عادات الكفار وطرق تعاملهم مع حكوماتهم، وليست من الدين الإسلامي في شيء، وليس من أعمال أهل الإيمان المطالبة بالحقوق ولو كانت مشروعة بسلوك طريق ترك العمل ونشر الفوضى وتأييدها وإثارة الفتن والطعن في أعراض غير المشاركين فيها وغيرها مما ترفضه النصوص الشرعية ويأباه خلق المسلم تربيةً ومنهجًا وسلوكًا، وإنما يتوصل إلى الحقوق المطلوبة بالطرق المشروعة، وذلك بمراجعة المسؤولين وولاة الأمر، فإن تحققت المطالب فذلك من فضل الله سبحانه، وإن كانت الأخرى وجب الصبر والاحتساب والمطالبة من جديد حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، فقد صحَّ من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ما يؤيد ذلك، حيث يقول فيه: «دَعَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَبَايَعْنَاهُ فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»(١) وزاد أحمد: «وَإِنْ رَأَيْتَ أَنَّ لَكَ»(٢) أي: "وإن اعتقدت أنّ لك في الأمر حقًّا، فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع